اللسعة الفلفلية: ماذا تقول المرارة والحرافة عن زيت الزيتون؟

🗓 21.09.26

قدّم ملعقة من زيت زيتون بكر ممتاز جيّد لشخص لم يتذوّقه صافياً من قبل، وغالباً ما سيعتذر عن الزيت. مرّ أكثر من اللازم. قويّ أكثر من اللازم. يلسع الحلق. هذه الملاحظات الثلاث تصف تقريباً حرفاً بحرف ما يبحث عنه المتذوّق المحترف.

القسم الأول: من أين تأتي هذه اللسعة

زيت الزيتون البكر الممتاز هو عصير ثمرة، يُستخلص ميكانيكياً ولا شيء غير ذلك. ومع المادة الدهنية، تنتقل خلال هذه العملية مركّبات فينولية من الزيتونة إلى الزيت. هي سبب المذاق الأخضر والمرارة الخفيفة على اللسان في الزيت الطازج، وسبب تلك اللسعة الفلفلية التي ترتفع في الحلق بعد البلع بلحظة.

تعتمد قوّة هذه اللسعة أولاً على الثمرة. في مزارعنا بالقيروان وزغوان نزرع الصنفين الأبرز في تونس، وهما مختلفان. الشملالي خفيف وفاكهي مع نفحات اللوز. الشتوي قويّ وفلفليّ وعشبيّ. لا أفضلية لأحدهما على الآخر، بل هما رؤيتان مختلفتان لدور الزيت على المائدة. ودرجة النضج مهمّة أيضاً: الزيتون الذي يُجنى مبكراً يحتفظ بقدر أكبر من هذه المركّبات ويعطي زيتاً أكثر خضرةً وحدّة، أمّا الثمار الأكثر نضجاً فتعطي زيتاً أكثر استدارةً وليونة.

هنا أيضاً يبدأ الحديث عن الصحة، وهنا يجب أن يبقى حذراً. تشير دراسات إلى أنّ المركّبات الفينولية في زيت الزيتون البكر الممتاز مسؤولة عن جزء كبير من نشاطه المضاد للأكسدة، وأنّها من الأسباب التي جعلت هذا الزيت ركيزة في الحمية المتوسطية. أمّا المؤكّد والأسهل تحقّقاً فهو أنّك تتذوّقها.

القسم الثاني: ما تقيسه لجنة التذوّق وما يقيسه المختبر

تأتي أدلّة الجودة في زيت الزيتون في نصفين كثيراً ما يُخلط بينهما.

النصف الحسّي منهجٌ رسميّ. وفق مقاربة المجلس الدولي للزيتون، تُعدّ الفاكهية والمرارة والحرافة صفاتٍ إيجابية تقيّمها لجنة متخصّصة، بينما تُحسب العيوب مثل الزناخة أو العفن أو النفحات الخمرية على حدة، وهي تُخرج الزيت من درجة البكر الممتاز. أي أنّ المستهلك حين يقول إنّ الزيت «مرّ أكثر من اللازم» فهو يصف بالضبط ما تسجّله اللجنة لصالحه.

أمّا النصف الكيميائي فيقيس ما لا يدركه اللسان. والحموضة الحرّة أشهر مؤشّراته: السقف القانوني للزيت البكر الممتاز هو صفر فاصلة ثمانية بالمائة وفق المجلس الدولي للزيتون، وزيوت OLYFO تسجّل عادةً صفر فاصلة خمسة بالمائة أو أقلّ، وقد جاءت نتيجة تحليل في فبراير ألفين وستة وعشرين عند صفر فاصلة ثلاثين بالمائة، بتحليل من مختبرات معتمدة. ولا بدّ من القول بوضوح إنّ هذا الرقم لا علاقة له بالطعم الحامض للزيت. فالحموضة الحرّة المنخفضة جداً تدلّ على أنّ الثمرة كانت سليمة وعُولجت بسرعة، لكنّها لا تعد بزيت حيّ، ولا تقول شيئاً عن المرارة أو الحرافة.

المشتري الذي يقرأ الكيمياء وحدها يعرف أنّ الزيت مطابق للقانون. والمشتري الذي يقرأ النصفين يعرف ما سيجده في القارورة.

القسم الثالث: كيف يحتفظ الزيت بلسعته وكيف يفقدها

تتراجع المركّبات الفينولية مع الوقت، وتُسرّع الحرارة والضوء والأكسجين هذا التراجع كثيراً. ومن هنا تأتي القواعد العملية، وهي قواعد بسيطة لا بريق فيها.

احفظ القارورة في خزانة، لا بجانب موقد الطهي ولا على حافة نافذة مشمسة. أغلقها جيداً بين استعمال وآخر. اشترِ حجماً ستستهلكه فعلاً، لأنّ قارورة مفتوحة تبقى نصف فارغة ستة أشهر تتأكسد طوال هذه المدّة. وإذا صمتت النهاية الفلفلية في زيت كان يمتلكها وصار ملمسه شمعياً بعض الشيء، فهذا يعني أنّه تقادم، وهو السبب الأكثر شيوعاً لخيبة الأمل من زيت جيّد في موسمه الثاني.

وللموسم دوره أيضاً. تبدأ حصادنا في الأسبوع الرابع من نوفمبر أو الأسبوع الأول من ديسمبر، وزيت المحصول الجديد يكون في أوج حدّته وهو فتيّ. والطهي يخفّف الحرافة، ولهذا نكرّر التوصية نفسها في كل وصفة تقريباً: اطبخ بالزيت إن شئت، لكن احتفظ بملعقة تضيفها نيئة في النهاية. في هذا الخيط الأخير يبقى الطابع حيّاً.

المرارة والفلفلية ليستا عيبين يُحتملان، بل هما أوضح دليل يملكه المستهلك، من دون مختبر، على أنّ الزيت أمامه هو فعلاً ما تقوله الملصقة.

لأنّ جودة زيت الزيتون، في نهاية المطاف، لا تُدّعى بل تُثبَت.