الأم وذهبها السائل

🗓 02.05.26

الأم ليست مجرد لقب بل نفس من الثقة الكاملة صوت يعني أن الدفء قريب وأن الطعام قادم وأن العالم الخارجي يمكن أن ينتظر وفي كل ذكرى مرتبطة بتلك الكلمة يوجد زيت الزيتون إنها الرائحة الأولى التي يتعلم الطفل التونسي أن يربطها بالمنزل صوت فحيحه عند ملامسة المقلاة الساخنة والطريقة التي يتجمع بها كهرمانا في وعاء أبيض والصب السخي الذي تقوم به الأم دون قياس لأنها لم تحتج إلى ذلك أبدا الأم التونسية لا تطبخ بزيت الزيتون إنها تطبخ من خلاله

في أوليفو هذا هو المكان الذي تبدأ فيه كل زجاجة ليس في البستان ليس في المعصرة ولكن في ذكرى مطبخ حيث حولت امرأة مكونات بسيطة إلى شيء لا ينسى هذا تكريم للمستها وللزيت الذي كان دائما بين يديها

إنها لا تضيف الزيت إلى الوصفة الزيت هو الوصفة

كل أم تونسية لديها مطبخ له رائحة لا تشبه أي مطبخ آخر على وجه الأرض اللحظة المحددة التي تخفض فيها اللهب والطريقة التي تحمص بها الفلفل مباشرة على حلقة الغاز لسلطة المشوية والميل المحدد لمعصمها عندما تصب هذه ليست تقنيات إنها لغة شخصية يتم استيعابها في الطفولة من خلال المراقبة والتذوق وتنتقل ليس من خلال التعليمات المكتوبة ولكن من خلال الحضور في تلك اللغة زيت الزيتون ليس دهنا إنه الكلمة الأولى جدا

تمد يدها إليه قبل أي شيء آخر يدخل في عجينة البريك فوق الكسكس في معجون الهريسة وأخيرا بحنان يبدو شبه احتفالي عبر الجزء العلوي من كل طبق منتهي قبل أن يغادر المطبخ تلك الصبة الأخيرة هي لها وحدها إنها الطريقة التي توقع بها طعامها

صنع زيت أوليفو ألفين وخمسمائة سنة من التقاليد بالضبط لهذه اللحظة زيت حلو وفاكهي وذهبي من بساتين القيروان معصور على البارد للحفاظ على دفئه وعمقه نوع الزيت الذي ستصل إليه أم تونسية دون تردد لأنها تعرف قبل أن يخبرها أي جائزة أو شهادة ما هو طعم زيت الزيتون الحقيقي ذوقها هو أقدم معيار للجودة في البلاد

إنها تميز كل عتبة والزيت دائما موجود

الأم التونسية لا ترافق أطفالها ببساطة عبر لحظات الحياة العظيمة إنها تصمم رقصتها من الأيام الأولى لحياة المولود الجديد إلى الليلة التي تسبق الزفاف هي التي تعرف أي دعاء تقول وأي طبق يحمل البركة وأي إيماءة حب سيتم تذكرها طويلا بعد أن يتم نسيان المناسبة وفي كل واحدة من هذه الطقوس تقريبا يكون زيت الزيتون موجودا يمسح يغذي يختم المقدس

عندما يصل طفل يحيط المجتمع الأم الجديدة في احتفال خلال النفاس الأربعين يوما بعد الولادة تصبح لفترة وجيزة أميرة منزلها تجتمع النساء لتحضير الزرير وهو غذاء حلو من السمسم والعسل يقال إنه يستعيد قوتها ويثري حليبها يجلبن الدفء والأغنية ورائحة البخور يعاملن جسدها كشيء مقدس الأم التونسية التي تقضي حياة في العطاء تُعطى أخيرا بحنان

هذه هي الطريقة التي تتحرك بها الثقافة التونسية ليس من خلال الوثائق أو الإعلانات ولكن من خلال أيدي الأم وصوتها وحضورها عند كل عتبة تحمل أوليفو نفس الفهم بأن أهم الأشياء يتم تمريرها يدا بيد جيلا بعد جيل في المطابخ والبساتين التي نادرا ما يراها الغرباء

لقد عرفت دائما ما يكتشفه العالم للتو

لم تحتج الأم التونسية أبدا إلى ملصق ليخبرها أي زيت زيتون جيد إنها تعرفه من اللون ذلك الذهب العميق والدافئ الذي يحافظ عليه العصر البارد الحقيقي تعرفه من الرائحة عشبية فلفلية خفيفة حية تعرفه من شعوره في مؤخرة الحلق ذلك الحرق الهادئ والنظيف الذي أسمته جدتها علامة الزيت الصحي جسدها هو الأداة ذاكرتها هي نقطة المرجع ومعيارها لم يتزعزع أبدا في كل القرون التي كانت عائلتها تصبه

ما عرفته دائما شرعت أوليفو في إثباته لبقية العالم تونس موطن لأكثر من سبعين مليون شجرة زيتون وأكثر من ثلثي بساتينها عضوية تمثل عشرين بالمائة من إجمالي زراعة الزيتون العضوي المعتمد في العالم لأجيال غادر ذلك الزيت الاستثنائي البلاد بدون اسم ممزوجا في زجاجات أجنبية الذهب السائل للأم التونسية يشحن دون قصتها المرفقة به

مهمة أوليفو هي إعطاء تلك القصة اسمها وزجاجتها ومكانها الصحيح على الطاولات حول العالم منتقاة يدويا معصورة على البارد من أصل واحد تحمل تربة القيروان وزغوان في كل قطرة ولكن وراء كل تفاصيل تقنية وراء كل جائزة وشهادة هناك حقيقة أبسط هذا الزيت صنع ليكون جديرا بها جديرا بالمرأة التي تمد يدها إليه كل صباح دون تفكير لأنه في مطبخها بين يديها في الطعام الذي تصنعه للأشخاص الذين تحبهم هذه هي الطريقة التي تقول بها ما لا تستطيع دائما وضعه في كلمات